ShareThis
06.09.2009

أقيمت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل في العام 1990، وابتداء من العام 1991 شرع نشطاؤها بالسعي لإلزام المحكمة العليا بحظر استعمال التعذيب. إلا أن المحكمة العليا، وعلى عادتها في مواضيع أمنية حساسة، تحركت وفق جدول زمنها هي دون مراعاة المعاناة الشديدة التي عاشها آلاف الفلسطينيين.

خلال سنوات قدمت اللجنة وجمعية حقوق المواطن ومركز حماية الفرد وغيرهم من المنظمات الحقوقية  التماسات كثيرة طالبت فيها المحكمة العليا بأن تحظر على أجهزة الأمن المختلفة استعمال القوة غير القانونية. في السادس من أيلول 1999 أصدرت المحكمة قرارها الذي شكّل سابقة قبلت في إطاره سبعة التماسات مختلفة وحظر استعمال طرق تعذيب محددة كان اعتمدها رجالات جهاز الأمن العام ـ "الشباك".

قاضي المحكمة العليا أهرون براك، الذي كتب قرار الحكم  المسمى "قرار التعذيب"، أشار إلى أن "محقق الشاباك الذي من واجبه أن يُدير التحقيق  وفقا للقانون، ملزم بالقيود السارية على التحقيق لدى الشرطة ]...[ "حُكم الحاجة" لا يشكل مصدرا يخول محققي جهاز الأمن العام اتخاذ إجراءات جسمانية خلال التحقيق ]...[ هذا الحُكم يُعنى بقرار فردي لشخص يعطي الردّ على حالة حقيقية معطاة; وهي فعل عيني كردّ على حدث ]...[ طبيعة الأمر لا تُتيح له أن يكون مصدرا لصلاحية إدارية عامة ]...[ إننا نعلن أنه لا يحق للشباك أن يهزّ شخصا، أو أن يشبحه ]...[ أو بالجلوس في وضعية ضفدعية أو منعه من النوم بشكل لا ينبع من حاجة التحقيق. هنا نُعلن أن حكم الضرورة القائم في قانون العقوبات لا يُمكن أن يكون مصدر صلاحية لاستخدام طرق تحقيق كهذه وأنه لا أساس لوجود تعليمات لمحققي جهاز الأمن العام تُتيح لهم استعمال طرق تحقيق كهذه".

عقد مرّ على قرار الحكم بشأن التماسنا ضد سياسة التعذيب لدى جهاز الأمن العام ـ "الشباك". عقد كامل منذ السادس من أيلول 1999 ـ ولا  تزال هناك سياسة مستترة من التعذيب. صحيح أن عدد المعذبين أقلّ، والطرق تغيرت والتكبيل بالأصفاد مختلف، إلا أن الآلام التي يشعر بها المعذبون هي ذاتها وأن سياسة "الجهاز" ـ التي تمنح تصاريح مسبقة بالتعذيب ـ لا تزال قائمة.

قبل عشر سنوات قررت المحكمة العليا أنه ليس للحكومة أو لرؤساء جهاز الأمن العام صلاحية وضع تعليمات ونُظُم وتصاريح لاستعمال طرق جسمانية في التحقيق. وقد تراكمت خلال هذا العقد شهادات كثيرة تثبت أن "الجهاز" يخرق قرار المحكمة المذكور بشكل منهجي. وتشمل هذه الأدلة شهادات من محققي "الجهاز" في المحاكم وشهادات أناس خضعوا للتحقيقات وردود علنية من "الجهاز" ومكتب رئيس الحكومة.

إن جهاز الأمن العام ورئيس الحكومة المسؤول عن "الجهاز" إنما يحقرون المجتمع الإسرائيلي ـ وكل واحد وواحدة منا ـ وقرار المحكمة العليا بشكل فظ مثابر ومنهجي. إنه تحقير قِيَمي منصوص عليه في التعليمات والنُظُم الداخلية المدعومة بطاقم المستشار القضائي للحكومة.

كما أسلفنا فإن مصادر عديدة ومتنوعة تُشير إلى أن طريقة نُظم وتصاريح في جهاز الأمن العام لتعذيب المستجوَبين لا تزال قائمة خلافا لقرار المحكمة ولقانون العقوبات الإسرائيلي والقانون الدولي. تصاريح بالتعذيب تُمنح مسبقا من المسؤول عن المحقق بل ومن رئيس "الجهاز" نفسه. يحصل هذا في إطار نظام ثابت معروف للمحققين وللمدعين وللقضاة باسمه العام " نظام حكم الحاجة" ـ وهو نظام حظرته المحكمة العليا.

هكذا مثلا جاء في ردّ جهاز الأمن العام على خبر ورد في صحيفة "هآرتس": "إن التصريح باستخدام القوة في التحقيقات يُعطى على الأقل في مستوى رئيس طاقم التحقيق، ويصل أحيانا من رئيس الجهاز نفسه"; وفي مناسبة أخرى: " نوضح أن التصاريح باستعمال وسائل خاصة في التحقيق يستطيع رئيس الجهاز فقط أن يُعطيها".

 سررنا في أيلول 1999 حينما جزم قرار المحكمة بشكل واضح أن تصرفات جهاز الأمن العام ـ تجاه جماعة كبيرة من المشتبه بهم والمستجوَبين خلال فترة طويلة في الماضي ـ غير قانونية. إلا أن تصرفات كهذه بأشكال مختلفة لا تزال قائمة اليوم. كلي أمل أنه في العقد القادم ـ حتى أيلول 2019 ـ سننجح في اجتثاث تام لكل أنواع التعذيب من جدول الأعمال  واليات عمل قوات الأمن في إسرائيل.

د. يشاي منوحين
المدير العام للجنة او مدير عام اللجنة