منع قرار المحكمة العليا الأول من نوعه استخدام عدد من وسائل التعذيب, إلا انه ترك ثغرات كبيرة تبيح وجود التعذيب والتنكيل في تحقيقات جهاز المخابرات العامة "الشاباك"، أهم هذه الثغرات هي: "الدفاع للضرورة" والتي تعفي من المسؤولية الجنائية أي محقق استخدم وسائل تحقيق ممنوعة, ولا سيما التنكيل الجسدي. بناءا على اعتماد مبدأ "الدفاع للضرورة" فانه عندما يتقدم شخص خضع للتحقيق بالشكوى عن تعرضه للتعذيب، فان المستشار القضائي للحكومة يأمر بإجراء فحص مسبق للشكوى, وذلك من اجل التأكد أن الحالة كانت من نوع "الدفاع للضرورة" التي تعفي المحقق من المسؤولية, وبالتالي يتم إنهاء التحقيق دون مسائلة قانونية وحتى دون استكمال كافة الإجراءات اللازمة في أي تحقيق عادي. حتى ألان حال الفحص المسبق دون الوصول إلى تحقيق أساسي مستقل لكل حالة من الشكاوى التي قدمتها اللجنة باسم المشتكين.
بناء على العديد من التصاريح لفلسطينيين تم التحقيق معهم منذ القرار وحتى اليوم. يتضح أن الشرعية التي أعطتها المحكمة العليا لمحققي الشاباك في تحكيم رأيهم الشخصي في حالات كثيرة سمحت لهم استخدام أساليب تحقيق عنيفة.
لم ينجح جهاز المخابرات العامة ولا من يترأسه في التحرر من الاعتقاد الذي يعتبر أن الطريقة الأكثر نجاعة للحصول على اعترافات أو معلومات هي إلحاق الأذى النفسي والجسدي بالمعتقلين، وإرهاقهم وأهانتهم. وبناء عليه فان الحماية التي طلبت المحكمة العليا فرضها لمصلحة الحقوق الأساسية لفلسطينيين في غرف التحقيق لم تثبت أنها كافية.
تقارير اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل المنشورة في السنوات اللاحقة لقرار المحكمة العليا أظهرت النتائج التالية:
1. الكثير من الفلسطينيين يتعرضون للتعذيب والتنكيل أثناء التحقيق معهم من قبل جهاز المخابرات العامة.
2. التنكيل بالمعتقلين الفلسطينيين يبدأ بحرمانهم من حقهم في الاتصال مع العالم الخارجي وخاصة مع محاميهم وأبناء عائلاتهم وأحيانا لفترات مستمرة.
3. التعذيب والتنكيل اشتملا:
- أساليب عادية (روتينية) تتمثل في: منع النوم، التكبيل إلى كرسي بوضعيات مؤلمة، تكبيل الأيدي إلى خلف الجسد بشكل متواصل، شد القيود بشكل مقصود، الدوس على القيود، تشكيل ضغط على أعضاء مختلفة من الجسد، إجبار الشخص الذي يتم التحقيق معه على قرفصة ركبتيه بوضعية "الضفدع" ("قمبز")، خنق، هز وأساليب أخرى عنيفة ومهينة (نتف الشعر، البصق وغيره).
- تعذيب وتنكيل في الزنزانة: منع النوم، التعرض للحرارة أو للبرودة الشديدتين، التعرض المستمر للضوء الاصطناعي، الحجز في ظروف اعتقال غير إنسانية بما يتعارض مع الحد الأدنى الذي حددته الأمم المتحدة ( غرف احتجاز فيها صراصير وفئران، ظروف صحية متدنية، قرب الأكل من فتحة المرحاض، مياه باردة فقط، منع تبديل الملابس، إنارة اصطناعية ضعيفة خلال كل ساعات النهار وهكذا دواليك.
- تعذيب وإلحاق الأذى النفسي من أنواع مختلفة مثل التهديدات وخلق مشاهد تمثيلية مزيفة تتم أحيانا باستخدام أفراد من العائلة.
تقدم اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل العديد من الشكاوى نيابة عن المشتكين من ضحايا التعذيب الذين خضعوا للتحقيق من قبل جهاز المخابرات العامة. تقدم اللجنة العامة هذه الشكاوى إلى المستشار القضائي للحكومة مطالبة إياه إجراء تحقيق فيها. غير أن اللجنة العامة ومن خلال تجاربها ترى أن طريقة معالجة الشكاوى غير سليمة بل أنها مليئة بالتناقضات. وذلك لان المستشار القضائي للحكومة يقوم بدوره بتحويل هذه الشكاوى للفحص المسبق لدى "همفتان" ("همفتان": هو الشخص المسؤول عن فحص شكاوى التعذيب للأشخاص الذين خضعوا للتحقيق وهو تابع إلى وزارة العدل). مع العلم أن هذا الشخص هو رجل سابق من رجال جهاز المخابرات العامة "الشاباك". رجل الشاباك هذا, هو الشخص الذي من المفروض أن يحقق مع كل من زملائه والشخص المشتكي, تعارض في المصالح واضح جدا في هذه الحالة. وفعلا, حتى اليوم لم تتم المسائلة القانونية لأي واحد من رجال المخابرات نتيجة تقديم شكاوى التعذيب إلى هذا الشخص, هذا أمر خطير جدا, إذا أخذنا بعين الاعتبار الإضرار الكبيرة، جسديا ونفسيا، التي لحقت بالأشخاص الذين حقق معهم جهاز المخابرات العامة, هذا بالإضافة إلى الأعداد الكبير من الشكاوى المقدمة.
إشكالات كبيرة تحيط بعمل المستشار القضائي للحكومة, وهو الذي أعطى شرعية "الدفاع للضرورة" لكل حالة من حالات التعذيب, وبهذا يكو قد فرغ قرار المحكمة العليا من محتواه فعليا، حيث أن الدعم الذي يقدمه المستشار القضائي للحكومة بأثر رجعي يتيح لنظام التعذيب في جهاز المخابرات العامة العمل بدون إزعاج. قرار المحكمة العليا من 1999 الذي كان من المفروض أن يضع حدا للتعذيب والتنكيل وتقليصها إلى حالات نادرة في نطاق ما يسمى "قنابل موقوتة" يتآكل يوما بعد يوم و"الدفاع للضرورة" أصبح ظاهريا فقط. يتضح من الأبحاث التي أجرتها اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل, أن الإجراء المتبع حاليا القائم على مبدأ "القنبلة الموقوتة" ليس حصيلة قرار مباشر اتخذه احد المحققين "بناءا على أحداث غير متوقعة" حسب ما قررت المحكمة العليا، وإنما هو نهج متبع بحيث يتوجه المحققون إلى رؤسائهم لأخذ الموافقة المسبقة لاستخدام العنف بأساليب مختلفة، وبعضها جماعية تتم من خلال التعاون بين مجموعة من المحققين.
بالفعل، على الرغم من السبق التاريخي الذي حددته المحكمة العليا في القرار سنة 1999، إلا أن القرار فشل في منع التعذيب، والتنكيل كلياً، بل إن هذا القرار ترك لمحققي جهاز المخابرات العامة "الشاباك" حرية التصرف واتخاذ القرار باستخدام التعذيب، حتى وان كان في حالات شاذة. اليوم وكنتيجة لسياسة التعذيب المتبعة في جهاز المخابرات العامة "الشاباك", تحولت المحكمة العليا, النيابة العامة للدولة, المستشار القضائي للحكومة من حامين للقانون ومدافعين عنه إلى حارس على عتبة غرفة التحقيقات التابعة "الشاباك".
تشير التقارير التي أصدرتها اللجنة العامة في السنوات الأخيرة إلى أن التعذيب والتنكيل في غرف التحقيق في إسرائيل ما زالا مستمرين في غرف التحقيق التابعة لجهاز المخابرات العامة، الشرطة والجيش الإسرائيلي.
تقرير "شؤون عائلية" الذي أصدرته اللجنة في ربيع عام 2008 كشف النقاب عن طريقة أخرى غير قانونية من التنكيل, كانت غير معروفة. القصد هو استخدام "الشاباك" لإفراد من عائلة الأشخاص الخاضعين للتحقيق من اجل الضغط عليهم للاعتراف بالإعمال المنسوبة إليهم ويدور الحديث عن تعذيب نفسي حقيقي, أحيانا يكون اشد وطأة من التعذيب الجسدي الذي يتعرض له معظم من تعرض للتحقيق. المقصود - على سبيل المثال وليس الحصر - التهديدات على سلامة أفراد العائلة, أو عرض مشهد تمثيلي مزيف يظهر الأقرباء وكأنهم واقعين تحت وطأة الاعتقال والتنكيل, وفي كثير من الأحيان يكون استخدام أفراد العائلة عبارة عن وهم واستغلال لأناس أبرياء لا يشتبه في ضلوعهم في مخالفات جنائية. تمت مناقشة هذا التقرير في يوم إصداره في 13.4.08 أمام لجنة الدستور القانون والعدل التابعة للكنيست. في هذا النقاش اعترف محققو الشاباك انه وعلى الأقل في حالة واحدة (حالة محمود السويطي) تم استخدام أفراد العائلة بشكل مرفوض. وطلب رئيس اللجنة إعطاء تفسيرات عن باقي الحالات اللاتي تم تفصيلها في التقرير. كما وتم تقديم التماس في نفس الموضوع، هذا الالتماس ما زال عالقا في المحكمة.
تقرير "غير قانوني أصلا" الذي أعلن في شهر حزيران 2008، كشف النقاب عن ظاهرة واسعة من التنكيل بمعتقلين فلسطينيين على أيدي جنود الجيش الإسرائيلي، وذلك بعد أن تم اعتقالهم وتكبيلهم وإزالة قدرتهم على تشكيل خطر على الجنود. يتضح من التقرير انه لا يوجد للجيش قواعد تنظم التعامل مع المعتقلين بعد اعتقالهم وحتى نقلهم إلى سلطات الحجز والتحقيق. وان كل جندي في الميدان يتصرف كما يحلو له. هذه الظاهرة المرفوضة تستمد الدعم من قِبل جهاز واهن في تطبيق القانون ومُقِل في التحقيقات وتقديم لوائح الاتهام، ناهيك عن غطاء التجاهل الذي يكاد يكون مطلقا من قبل السلطات لهذه الظاهرة، ومن قبل معظم الرتب في الجيش الإسرائيلي، وزارة الأمن، الوزير المسؤول عنه، الكنيست ومراقب الدولة. في التقرير فصلت توصيات مختلفة التي عن طريق تطبيقها يمكن المساعدة في اجتثاث هذه الظاهرة.